وأما القيد الثالث : وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر، فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية، وإما أن تكون جسمانية، أما المضار الروحانية فهي الحقد، والحسد، والغل، والغضب، وأما المضار الجسمانية فكالإعياء والتعب فقوله :﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله :﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسمانية.
وأما القيد الرابع : وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله :﴿وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية مقال، فإنهم قالوا : المراد من قوله :﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ﴾ إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال، وقوله :﴿إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين﴾ معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله :﴿إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين﴾، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٩ صـ ١٥٢ ـ ١٥٤﴾