فإن قيل : أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل : لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان، ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهواتهم، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد وقوله :﴿ادخلوها بِسَلامٍ ءامِنِينَ﴾ يحتمل أن القائل لقوله :﴿ادخلوها﴾ هو الله تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم :﴿ادخلوها ﴾.
والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها :﴿ادخلوها بِسَلامٍ ﴾.
الثاني : لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله :﴿ادخلوها بِسَلامٍ ءَامِنِينَ﴾ المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة، والأمن من زوالها.
ثم قال تعالى :﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ﴾ والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ من قولهم : أغل في جوفه وتغلغل، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم، وعن علي عليه السلام أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، وحكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالساً عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي : مرحباً بك يا ابن أخي، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى في حقهم :﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ﴾ فقال الحرث : كلا بل الله أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد.
قال عليه السلام : فلمن هذه الآية ؟ لا أم لك يا أعور، وروي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض، ثم يؤمر بهم إلى الجنة.