ولما أخبروه بوقوع العذاب بهم، أمروه بما يكون سبباً فيما أمروا به من إنجائه، فقالوا :﴿فأسر﴾ فأتو بالفاء لأن ما بعدها مسبب عما قبلها ﴿بأهلك بقطع﴾ أي طائفة ﴿من الليل واتبع﴾ أي كلف نفسك أن تتبع ﴿أدبارهم﴾ لتكون أقربهم إلينا وإلى محل العذاب، لأنك أثبتهم قلباً وأعرفهم بالله، والشر من ورائكم، وقد جرت عادة الكبراء أن يكونوا أدنى جماعتهم إلى الأمر المخوف سماحاً بأنفسهم وتثبيتاً لغيرهم، وعلماً منهم بأن مداناة ما فيه وجل لا يقرب من أجل، وضده لا يغني من قدر، ولا يباعد من ضرر، ولئلا يشتغل قلبك بمن خالفك، وليحتشموك فلا يلتفتوا، أو يتخلف أحد منهم - وغير ذلك من المصالح ؛ والدبر : جهة الخلف وهو ضد القبل ﴿ولا يلتفت﴾ أي أصلاً ﴿منكم أحد﴾ إذ لا فائدة فيه لأن الملتفت غير ثابت، لأنه إما غير مستيقن لخبرنا أو متوجع لهم، فمن التفت ناله العذاب، وذلك أيضاً أجد في الهجرة، وأسرع في السير، وأدل على إخراج ما خلفوه من منازلهم وأمتعتهم من قلوبهم، وعلى أنهم لا يرقون لمن غضب الله عليهم مع أنهم ربما رأوا ما لا تطيقه أنفسهم ﴿وامضوا حيث﴾ وتعبيره بالمضارع يشعر بأنه يكون معهم بعض الملائكة عليهم السلام في قوله :﴿تؤمرون ﴾.
ولما تقرر بهذا أمر إهلاكهم من غير تصريح ولا تعيين لوقت، قال تعالى :﴿وقضينا﴾ أي بما لنا من العظمة، موحين ﴿إليه﴾ أي خاصة ﴿ذلك الأمر﴾ وأشار إلى تعظيمه بالإشارة إليه بأداة البعد، ثم فسره بقوله :﴿أن دابر﴾ أي آخر ﴿هؤلاء﴾ أي الحقيرين عند قدرتنا، وأشار بصيغة المفعول إلى عظمته سبحانه وسهولة الأمر عنده فقال تعالى :﴿مقطوع﴾ حال كونهم ﴿مصبحين﴾ ولا يقطع الدابر حتى يقطع ما دونه، لأن العدو يكون مستقبلاً لعدوه، فهو كناية عن الاستئصال بأن آخرهم وأولهم في الأخذ سواء، لأن الآخذ قادر، لا كما يفعل بعض الناس مع بعض من أنهم يملون في آخر الوقائع فيفوتهم البعض. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٤ صـ ٢٢٧ ـ ٢٣٠﴾