ولما تم ذلك، سبب عن القضاء دابرهم قوله تعالى :﴿فأخذتهم﴾ أي أخذ انتقام وغلبة ﴿الصيحة﴾ أي التي هي لعظمها وهولها هي الصيحة، وغيرها عدم بالنسبة إليها ؛ والأخذ : فعل يصير به الشيء في جهة الفاعل، والصيحة : صوت يخرج من الفم بشدة ؛ وقوله :﴿مشرقين﴾ أي داخلين في الإشراق، وهو ضياء الشمس عند بزوغها، وتبين به أن وقته يسمى صبحاً لغة، فإن الصبح والصبّاح والإصباح أول النهار، ولعله يطلق عليه إلى وقت الغداء أو الزوال، أو تكون الصيحة وقت الإشراق آخر أمرهم، وقلع المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء أمرهم ؛ ثم بين سبحانه ما تسبب عن الصيحة متعقباً لها فقال :﴿فجعلنا عاليها﴾ أي مدائنهم ﴿سافلها وأمطرنا ﴾.
ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود عليه السلام، لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة، أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم - كما مضى في سورة هود عليه السلام - لأن هذا أصرح، فقال :﴿عليهم﴾ أي أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم ﴿حجارة من سجيل﴾ ثم حقق أن ذلك كله شرح لقوله ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ بقوله :﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم جداً ﴿لآيات﴾ أي عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها، ومن جهة كونه مخالفاً لمياه الأرض بالنتن والخباثة، وعدم عيش الحيوان فيه، وعدم النفع به، ومن جهة فظاعة منظرة - وغير ذلك من أمره ﴿للمتوسمين﴾ جمع متوسم، وهو الناظر في السمة الدالة - وهي الأثر الدال في الوجه - والقرائن القاضية بالخير والشر، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بمثل ذلك، فهو إلهاب لهم وتبكيت ؛ ثم بين أن ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد الاتعاظ به، فقال جعلاً لهم - لعدم اعتبارهم بها ومع رؤيتهم إياها في كل حين - في عداد المنكرين :﴿وإنها﴾ أي هذه المدائن ﴿لبسبيل مقيم﴾ أي ثابت، وهو مع ذلك مبين، فالاعتبار بها في غاية السهولة لقومك، وكانوا يمرون عليها في بعض أسفارهم إلى الشام.


الصفحة التالية
Icon