ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الآباء والأمهات، وإليه الإشارة بقوله :﴿والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ [ البقرة : ٢١ ] ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الأرض، وهي قوله :﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ لأن الأرض أقرب إلينا من السماء، ثم ذكر في المرتبة الرابعة قوله :﴿والسماء بِنَاء﴾ ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب السماء بالأرض، فقال :﴿وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [ البقرة : ٢٢ ].
الثاني من الدلائل القرآنية ؛ أن يحتج الله تعالى بالأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأدون فالأدون، وهذا الطريق هو المذكور في هذه السورة، وذلك لأنه تعالى ابتدأ في الاحتجاج على وجود الإله المختار بذكر الأجرام العالية الفلكية، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان، ثم ثلث بذكر الاستدلال بأحوال الحيوان، ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة، وهذا الترتيب في غاية الحسن.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول :
النوع الأول : من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال بأحوال السموات والأرض فقال :﴿خُلِقَ * السموات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :﴿الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والأرض﴾ [ الأنعام : ١ ] إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه ههنا فنقول : الخلق عبارة عن التقدير بمقدار مخصوص، وهذا المعنى حاصل في السموات من وجوه : الأول : أن كل جسم متناه فجسم السماء متناه، وكل ما كان متناهياً في الحجم والقدر، كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص امراً جائزاً، وكل جائز فلا بد له من مقدر ومخصص، وكل ما كان مفتقراً إلى الغير فهو محدث.