قال القاضي : وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.
ثم قال القاضي : لعله أراد أن الملك الذي يرسل إلى الأنبياء عليهم السلام بحضرة أممهم، لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن يكون أيضاً بصورة الرجال، كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله ﷺ في صورة دحية الكلبي وفي صورة سراقة، وإنما قلنا ذلك لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من الله تعالى إلى الرسول قد يبقون على صورتهم الأصلية الملكية، وقد روي أن النبي ﷺ رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين، وعليه تأولوا قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى﴾ [ النجم : ١٣ ] ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله :﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
في المراد بأهل الذكر وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أهل التوراة، والذكر هو التوراة.
والدليل عليه قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور مِن بَعْدِ الذكر﴾ [ الأنبياء : ١٠٥ ] يعني التوراة.
الثاني : قال الزجاج : فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر، والثالث : أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضين، إذ العالم بالشيء يكون ذاكراً له.
والرابع : قال الزجاج : معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.
وأقول : الظاهر أن هذه الشبهة وهي قولهم : الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحداً من البشر إنما تمسك بها كفار مكة، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها، فإن اليهودي والنصراني لا بد لهما من تزييف هذه الشبهة وبيان سقوطها.
المسألة الثانية :


الصفحة التالية
Icon