فصل
قال الفخر :
﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح أو من عالم الأجسام، فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وأنه غني عن الكل فقال :﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :
لقائل أن يقول : إن الإلهين لا بد وأن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله :﴿إلهين اثنين ﴾.
وجوابه من وجوه : أحدها : قال صاحب "النظم" : فيه تقديم وتأخير، والتقدير : لا تتخذوا اثنين إلهين.
وثانيها : وهو الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكراً مستقبحاً، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سبباً لوقوف العقل على ما فيه من القبح.
إذا عرفت هذا فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول، ولهذا المعنى فإن أحداً من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال، فقوله :﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح.
وثالثها : أن قوله :﴿إلهين﴾ لفظ واحد يدل على أمرين : ثبوت الإله وثبوت التعدد، فإذا قيل : لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما.
فلما قال :﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ ثبت أن قوله :﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين﴾ نهي عن إثبات التعدد فقط.