وأما القسم الثاني : وهو أن يكون مشروعاً ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق، فهذا باطل بالإجماع، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقاً، ويتأكد هذا أيضاً بآيات أخرى كقوله تعالى :﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ [ الأعراف : ٥٦ ] وكقوله :﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [ لحج : ٧٨ ] وكقوله :﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [ البقرة : ١٨٥ ] وكقوله عليه السلام :" لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " وكقوله :" ملعون من ضر مسلماً " فثبت بمجموع هذه الآيات والأخبار أن الأصل في المضار الحرمة، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه، فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على كونه مشروعاً قضينا به تقديماً للخاص على العام، وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه.
ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه، لأن المنع منه ضرر، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الإنسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع، فثبت أن هذا الأصل يتناول جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة، ثم نقول القياس الذي يتمسك به في إثبات الأحكام إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها، والأول باطل : لأن هذا الأصل يغني عنه، والثاني باطل ؛ لأن النص راجح على القياس، والله أعلم.
المسألة الثالثة :
قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلاً لله تعالى، بل تكون أفعالاً للعباد، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم، وما أضافه إلى نفسه.