ولما ذكر ذلك سبحانه، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به، فقال تعالى :﴿ورزقكم﴾ أي لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم ؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في الجنة، بعّض فقال :﴿من الطيبات﴾ بجعله ملائماً للطباع، شهياً للأرواح، نافعاً للإشباع، فعلم من هذا قطعاً أن صاحب هذه الأفعال، هو المختص بالجلال، ومن أنكر شيئاً من حقه فقد ضل أبعد الضلال، فكيف بمن أنكر خيره، وعبد غيره، وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود، فلذلك تسبب عنه قوله معرضاً عن خطابهم إعراض المغضب :﴿أفبالباطل﴾ أي من الأصنام وما جعلوا لهم من النصيب ﴿يؤمنون﴾ أي على سبيل التجديد والاستمرار ﴿وبنعمت الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿هم﴾ وله عليهم خاصة - غير ما يشاركون فيه الناس - من المنن ما له ﴿يكفرون﴾ حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة والوصيلة والحامي وغيرها لأصنامهم، وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه، ومتضمن لنسبتها إلى غيره، لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه، ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه ؛ ثم قال عطفاً على ما أنكره عليهم هناك :﴿ويعبدون﴾ وأشار إلى سفول المراتب كلها عن رتبته سبحانه فقال تعالى :﴿من دون الله﴾ أي من غير من له الجلال والإكرام مما هو في غاية السفول من الأصنام وغيرها ﴿ما لا يملك﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿لهم رزقاً﴾ تاركين من بيده جميع الرزق، وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات ؛ ثم بين جهة الرزق فقال تعالى :﴿من السماوات والأرض﴾ ثم أكد تعميم هذا النفي بقوله - مبدلاً من ﴿رزقاً﴾، مبيناً أن تنوينه للتحقير - :﴿شيئاً﴾ ثم أكد حقارتهم بقوله جامعاً لأن ما عجز عند الاجتماع فهو عند الانفراد أعجز :﴿ولا يستطيعون﴾ أي ليس لهم نوع استطاعة أصلاً، ولك أن تجعله معطوفاً على ما مضى من المعجَّب منه من أقوالهم وأفعالهم في قوله ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾ ونحوه.


الصفحة التالية
Icon