وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى ﴿في ضيق﴾ ولو قل - كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون، فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله، وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه ﴿مما يمكرون﴾ أي من استمرار مكرهم بك ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ وكأنك به، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا ؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى :﴿إن الله﴾ أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه ﴿مع الذين اتقوا﴾ أي وجد منهم الخوف من الله تعالى، فكانوا في أول منازل التقوى، وهو مع المتقين الذين كانوا في النهاية منها، فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره عملاً بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء، وهو مع الذين أحسنوا وكانوا في أول درجات الإحسان ﴿والذين هم﴾ أي بضمائرهم وظواهرهم ﴿محسنون﴾ أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم، فهم في حضرات الرحمن، وأنت رأس المتقين المحسنين، فالله معك، ومن كان الله معه كان غالباً، وصفقته رابحة، وحالته صالحة، وأمره عال، وضده في أسوإ الأحوال، فلا تستعجلوا قلقاً كما استعجل الكفار استهزاء، تخلقاً في التأني والحلم بصفة من تنزه عن نقص الاستعجال، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال، فقد عانق آخرها أولها، ووافق مقطعها، وآخرها احتباك : ذكر ﴿الذين اتقوا﴾ أولاً دليلاً على حذف ﴿الذين أحسنوا﴾ ثانياً، ﴿والمحسنين﴾ ثانياً دليلاً على حذف المتقين أولاً - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٤ صـ ٣٢٣ ـ ٣٢٦﴾


الصفحة التالية
Icon