واعلموا يا بني إسرائيل أنكم "إِنْ أَحْسَنْتُمْ" في هذه المرة فيما بينكم وبين اللّه وبين الناس وامتثلتم أوامر اللّه وأعرضتم عن نواهيه فيما بينكم وبين اللّه وخلقه من الآن فصاعدا عن إيمان صادق واخلاص وايقان وحسن نية، فتكونوا قد "أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ" لأن فائدة الإحسان تعود عليكم ونفعه خاص بكم "وَإِنْ أَسَأْتُمْ" فيما بينكم وبين اللّه وبين خلقه، وانتهكتم حرماته ورجعتم على الإساءة الأولى واستمررتم عليها "فَلَها" فلأنفسكم تكون العاقبة السيئة خاصة، جزاء لإساءتكم المكررة ونقضكم عهد اللّه ورجوعكم إلى ما تبتم عنه، فعليكم من الآن أن تنتبهوا يا بني إسرائيل "فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ" أي عقابها المترتب على رجوعكم إلى المنكرات وعودكم إلى الإفساد في البلاد والعباد، بعد هذه النعمة التي مننّا بها عليكم، فاعلموا أن ما ينزل بكم أشد وأفظع وأكبر من العقاب الأول بدلالة قوله جل قوله وعزتي وجلالي
"لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ" بأن يوقعوا فيكم أفعالا عنيفة فظيعة تخزيكم خزيا يظهر أثر كآبته على وجوهكم بأكثر مما فعلوه بكم في المرة الأولى من الخزي والعار والهوان والذل والصغار "وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ" عنوة فينتهكوا حرمته ويهدموه ويحرقوا ما فيه من الكتب والآثار ويقتلون من يحتمي به ومن في جواره من علماء وأحبار وربانيين وغيرهم "كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ" إذ فعلوا به وبكم ذلك ولم يرعوا له حرمة ولا لكم رحمة "وَلِيُتَبِّرُوا" يهلكوا ويمزقوا ويفتتوا "ما عَلَوْا" عليه من نفس ومال وبناء "تَتْبِيراً" ٧ لم تتصوره عقولكم والتتبير في اللغة التهديم، قال الشاعر :
وما الناس إلا عاملان فعامل يتبّر ما يبني وآخر رافع
أي أنهم يهدمون البناء والبنية من كل ما غلبوا عليه.