"أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ" شؤمه وسعده الذي هو نتيجة عمله في دنياه من خير أو شر، وهو نصيبه وحظه الذي قسمناه له في الأزل مما يتشاءم أو ينفاءل فيه وطوقناه "فِي عُنُقِهِ" كالقلادة، وخصّ العنق لأنه مما يزين أو يشين، فإن كان عمله صالحا كان زينة له كالحلى، وإن كان طالحا كان مشينا كالغل، أعاذنا اللّه، ومعنى
اللزوم كناية عن عدم المفارقة له "وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً" مثبتا فيه عمله في دنياه ليحاسب عليه يوم البعث "يَلْقاهُ مَنْشُوراً" ١٣ أمامه ليطلع عليه ويعلم أن ملائكة اللّه لم تظلمه بشيء ولم تنقص من عمله شيئا لأن هذا الكتاب قد سجله الحفظة الموكلون به وضبطوا فيه حركاته وسكناته، فإذا مات طوى وحفظ بمكان عند اللّه، فإذا بعث من قبره أخرج وعرض عليه في موقف الحساب ويقال له "اقْرَأْ كِتابَكَ" الذي دونّاه في حسناتك وسيئاتك، وانظر إلى عللها وأسبابها وأزمنتها وأمكنتها، وتأمل هل ظلمك الملك بكتابة ما لم تفعله أو بعدم كتابة ما فعلته من شر أو خير ؟ ويعطي اللّه تعالى إذ ذاك كل أحد قوة القراءة ليشهد هو على نفسه، ولهذا المغزى يشير قوله تعالى "كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً" ١٤ وهذا غاية في العدل ونهاية في الإنصاف إذ اكتفى اللّه من عبده أن يكون هو محاسبا لنفسه فلم يبق في حاجة إلى استشهاد الشهود والطعن فيهم، وهذا مظهر قوله تعالى في الآية ٢٩ من سورة ق المارة (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ونظائرها إذ لا يؤاخذ اللّه أحدا إلا باعترافه الاختياري، لأنه أولا لا يستطيع أن ينطق بغير الواقع، ثانيا إذا سكت أو تعلثم نطقت جوارحه بما اقترفت، فيسأل عنها فلا يقدر أن أن ينكر شيئا وما بعد الاعتراف حجة.
قال الحسن : لقد عدل عليك (١) من جعلك حسيب نفسك.
وقيل إن الكافر يقول يا رب إنك لست بظلام، فاجعلني أحاسب نفسي.
________
(١) قوله عدل عليك هكذا في الأصل الطبع وفي بعض النسخ إليك سيدل عليك وفي الخطيب عدل واللّه في خلقك من إلخ وفي الكشاف : يا ابن آدم أنصفك واللّه من إلخ ا ه.