وأنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقيل له لا خير في السرف فقال : لا سرف في الخير، وعن عبد الله بن عمر قال : مر رسول الله ﷺ بسعد وهو يتوضأ فقال : ما هذا السرف يا سعد ؟ فقال : أو في الوضوء سرف ؟ قال : نعم : وإن كنت على نهر جارٍ ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين فقال :﴿إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين﴾ والمراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشيء أخاً له، فيقولون : فلان أخو الكرم والجود، وأخو السفر إذا كان مواظباً على هذه الأعمال، وقيل قوله :﴿إخوان الشياطين﴾ أي قرناءهم في الدنيا والآخرة كما قال :﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [ الزخرف : ٣٦ ] وقال تعالى :﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم ﴾
[ الصافات : ٢٢ ] أي قرناءهم من الشياطين، ثم إنه تعالى بين صفة الشيطان فقال :﴿وَكَانَ الشيطان لِرَبّهِ كَفُورًا﴾ ومعنى كون الشيطان كفوراً لربه، هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض، والإضلال للناس.
وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفوراً لنعمة الله تعالى، والمقصود : أن المبذرين إخوان الشياطين، بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه فيلزم كون المبذر أيضاً كفوراً لربه، وقال بعض العلماء : خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة ثم كانوا ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر، وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله، وإعانة أعدائه فنزلت هذه الآية تنبيهاً على قبح أعمالهم في هذا الباب.


الصفحة التالية
Icon