ثم قال :﴿وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ﴾ وهو الحادي والعشرون، ثم قال :﴿وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم﴾ [ الإسراء : ٣٥ ] وهو الثاني والعشرون، ثم قال :﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [ الإسراء : ٣٦ ] وهو الثالث والعشرون، ثم قال :﴿وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا﴾ [ الإسراء : ٣٧ ] وهو الرابع والعشرون، ثم قال :﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ﴾ وهو الخامس والعشرون، فهذه خمسة وعشرون نوعاً من التكاليف بعضها أوامر وبعضها نواه جمعها الله تعالى في هذه الآيات وجعل فاتحتها قوله :﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً﴾ [ الإسراء : ٢٢ ] وخاتمتها قوله :﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ إذا عرفت هذا فنقول : ههنا فوائد :
الفائدة الأولى : قوله :﴿ذلك﴾ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من التكاليف وسماها حكمة، وإنما سماها بهذا الاسم لوجوه : أحدها : أن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والخيرات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، والعقول تدل على صحتها.
فالأتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعياً إلى دين الشيطان بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون داعياً إلى دين الرحمن، وتمام تقرير هذا ما نذكره في سورة الشعراء في قوله :﴿هَلْ أُنَبّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين * تَنَزَّلُ على كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾
[ الشعراء : ٢٢١، ٢٢٢ ].
وثانيها : أن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال، فكانت محكمة وحمكة من هذا الاعتبار.