ولما كان كل ما خفي سببه وخرج عن العادة فتنة يعلم به في طبعه الحق ومن في طبعه الباطل، ومن هو سليم الفطرة ومن هو معكوسها، وكان قد أخبر أن شجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم، وكان ذلك في غاية الغرابة، ضمه إلى الإسراء في ذلك فقال تعالى :﴿والشجرة﴾ عطفاً على الرؤيا ﴿الملعونة في القرءان﴾ بكونها ضارة، والعرب تسمي كل ضار ملعوناً، وبكونها في دار اللعنة، وكل من له عقل يريد بعدها عنه، وهي كما رواه البخاري في التفسير عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ شجرة الزقوم جعلناها أيضاً فتنة للناس نقيم بها عليهم الحجة في الكفر والإيمان، فنثبتهم أي من أردنا إيمانه منهم بالأول وهو الإسراء ﴿ونخوفهم﴾ بالثاني وأمثاله ﴿فما يزيدهم﴾ أي الكافرين منهم التخويف حال التخويف، فما بعده من أزمنة الاستقبال أجدر بالزيادة ﴿إلا طغياناً﴾ أي تجاوزاً للحد هو في غاية العظم ﴿كبيراً﴾ فيقولون في الأول ما تقدم في أول السورة، وفي الثاني : إن محمداً يقول : إن وقود النار الناس والحجارة، ثم يقول : إن فيها شجراً، قد علمتم أن النار تحرق الشجر، ولم يقولوا ما هم أعلم الناس به من أن الذي جعل لهم من الشجر الأخضر ناراً قادر على أن يجعل في النار شجراً، ومن أنسب الأشياء استحضاراً هنا ما ذكره العلامة شيخ مشايخنا زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي بمعجم العين المدني في تأريخ المدينة الشريفة في أوائل الباب الرابع في ذكر الأودية فإنه قال : وادي الشظاة - أي بمعجمتين مفتوحتين - يأتي من شرقي المدينة من أماكن بعيدة عنها إلى أن يصل السد الذي أحدثته نار الحرة التي ظهرت في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة - يعني : وهي المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى " قال : وكان ظهورها من واد يقال به أحيليين في الحرة الشرقية، وصارت من مخرجها إلى جهة الشمال مدة ثلاثة


الصفحة التالية
Icon