ثم قال تعالى :﴿أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة﴾ وفيه قولان : الأول : قال الفراء قوله :﴿يَدَّعُونَ﴾ فعل الآدميين العابدين.
وقوله :﴿يَبْتَغُونَ﴾ فعل المعبودين ومعناه أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم الوسيلة، فإنه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب المنافع ودفع المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز والحاجة، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى.
فإن قالوا : لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه، فنقول : هؤلاء الملائكة إما أن يقال : إنها واجبة الوجود لذواتها، أو يقال : ممكنة الوجود لذواتها، والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه، وأما الثاني فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله تعالى، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة.
والقول الثاني : أن قوله :﴿أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ﴾ هم الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقوله :﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ﴾ [ الإسراء : ٥٥ ] وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه، فأنتم بالاقتداء بهم حق فلا تعبدوا غير الله تعالى.
واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن قالوا : الملائكة لا يعصون الله فلا يخافون عذابه، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء.
قلنا : الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب والدليل عليه قوله تعالى :﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّي إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [ الأنبياء : ٢٩ ].


الصفحة التالية
Icon