وتاسعها : العالم العلوي أشرف من العالم السفلي، وروح الإنسان من جنس الأرواح العلوية والجواهر القدسية فليس في موجودات العالم السفلي شيء حصل فيه شيء من العالم العلوي إلا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفلي.
وعاشرها : أشرف الموجودات هو الله تعالى، وإذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من الله تعالى أتم، وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله تعالى ولسانه مشرف بذكر الله وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة الله تعالى فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان، ولما ثبت أن الإنسان موجود ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كل ما حصل للإنسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان الله تعالى وإنعامه فلهذا المعنى قال تعالى :﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ﴾ ومن تمام كرامته على الله تعالى أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال :
﴿اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم * الذى عَلَّمَّ بالقلم﴾ [ العلق : ١ ٤ ] ووصف نفسه بالتكريم عند تربيته للإنسان فقال :﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ﴾ ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الإنسان فقال :﴿يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم﴾ [ الإنفطار : ٦ ] وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان، والله أعلم.
والوجه الحادي عشر : قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كن فيكون.
ومن كان مخلوقاً بيد الله كانت العناية به أتم وأكمل، وكان أكرم وأكمل ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل، والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon