ولما كانوا لما لهم من النوس في غاية الزلزلة، لا يتهذبون إلا في أزمان طويلة وعلاج كبير، قال مشيراً إلى ذلك :﴿على مكث﴾ أي تؤدة وترسل بأن تقرأ منه كل نجم في وقته الذي أنزلناه فيه مدة ثلاث وعشرين سنة ﴿ونزلناه﴾ من عندنا بما لنا من العظمة ﴿تنزيلاً﴾ بعضه في إثر بعض، مفرقاً بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها، وأعون على الفهم لطول التأمل لما نزل من نجومه في مدة ما بين النجمين لغزارة ما فيه من المعاني، وكثرة ما تضمنه من الحكم، وذلك أيضاً أقرب للحفظ، وأعظم تثبيتاً للفؤاد، وأشرح للصدر، لأن أخبار الحبيب إذا كانت متواصلة كان المحب كل يوم في عيد، بهناء جديد، فعلنا بك ذلك لما تقدم من أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الحظ لمن أقبل، والخيبة لمن أدبر، أمره أن يقول منبهاً لهم على ذلك مبكتاً لهم بتقاعسهم عنه وعنادهم فيه بقوله تعالى :﴿قل آمنوا به﴾ أي القرآن ﴿أو لا تؤمنوا﴾ فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم، وإلا لم تضروا إلا أنفسكم، وهو احتقار لهم حيث صرف لهم من كل مثل فأبوا إلا كفوراً، ثم علل ذلك بما يقبل بكل ذي لب إليه، فإن كان ل " قل " فهو تسلية له صل الله عليه وعلى آله وسلم، وإن كان لما بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير، فقال تعالى :﴿إن الذين أوتوا العلم﴾ وبني للمفعول دلالة على أن العلم الرباني - وهو العلم في الحقيقة من أيّ مؤتٍ كان، حاث على الإيمان بهذا القرآن، وتنبيهاً على أن من كان يعلم ولا يحمله علمه على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء أبين من حقيقته بمصادقته لكتب الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها الدهور، واطمأنت بها النفوس، وزيادته عليها بما أودعه الله من الإعجاز والحكم - فعلمه كلا علم بل هو


الصفحة التالية
Icon