ولما ذكر السجود وعقبه بالدعاء، أشار إلى أنه في كل حالة حسن، وفي الصلاة أولى وأحسن، بعد أن ذكر قريباً الصلوات الخمس، وكان ربما فهم من قوله ﴿إن قرءان الفجر كان مشهوداً﴾، ومن قوله :﴿إذا يتلى عليهم﴾ قوة الجهر به قال تعالى :﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ أي بقراءتك فيها، أو سمى القراءة صلاة لأنها شرط فيها جهراً قوياً حتى تسمعه المشركون، فإن المخالفين قد عرف عنادهم فلا يؤمن سبهم للقرآن ولمن أنزله ولمن جاء به، بل كانوا يفعلون ذلك ويلغون، وربما صفقوا وصفروا ليغلطوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويخلطوا عليه قراءته ﴿ولا تخافت﴾ أي تسر ﴿بها﴾ إسراراً بليغاً كأنك تناظر فيه آخر بحيث لا تسمع من وراءك ليأخذوه عنك ﴿وابتغ﴾ أي اطلب بغاية جهدك ﴿بين ذلك﴾ أي الجهر والمخافتة التي أفهمت أداة البعد عظمة شأنهما ﴿سبيلاً﴾ أي طريقاً وسطاً ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ في هذه الآية قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿ولا تخافت بها﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم - انتهى.
أطلق هنا اسم الكل على الجزء إشارة إلى أن المقصود الصلاة وفيما تقدم اسم الجزء على الكل لأن المقصود الأعظم هناك القراءة في الفجر، وروى البخاري عن عائشة ـ رضى الله عنهم ـ ا أن هذه الآية نزلت في الدعاء، وقد تقدم غير مرة أنه ليس ببدع أن يكون للشيء أسباب كثيرة.


الصفحة التالية
Icon