البحث الثالث : يقال خفت صوته يخفت خفتاً وخفوتاً إذا ضعف وسكن وصوت خفيت أي خفيض ومنه يقال للرجل إذا مات قد خفت أي انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل وخفت الرجل يخافت بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت وقد تخافت القوم إذا تساروا بينهم وأقول ثبت في كتب الأخلاق أن كلا طرفي الأمور ذميم والعدل هو رعاية الوسط ولهذا المعنى مدح الله هذه الأمة بقوله :﴿وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا﴾ [ البقرة : ١٤٣ ] وقال في مدح المؤمنين :﴿والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [ الفرقان : ٦٧ ] وأمر الله رسوله فقال :﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [ الإسراء : ٢٩ ] فكذا ههنا نهى عن الطرقين وهو الجهر والمخافتة وأمر بالتوسط بينهما فقال :﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ ومنهم من قال الآية منسوخة بقوله :﴿ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [ الأعراف : ٥٥ ] وهو بعيد واعلم أنه تعالى لما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى علمه كيفية التحميد فقال :﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل وكبرهُ تكْبِيراً﴾ فذكر ههنا من صفات التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع من الصفات.
النوع الأول : من الصفات أنه لم يتخذ ولداً والسبب فيه وجوه.
الأول : أن الولد هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء شيء آخر فكل من له ولد فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد.
الثاني : أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده فإذا لم يكن له ولد أفاض كل تلك النعم على عبيده.


الصفحة التالية
Icon