فصل


قال الفخر :
﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى :
قوله :﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا﴾ فيه بحثان :
البحث الأول : قال الأكثرون إن ذلك العبد كان نبياً واحتجوا عليه بوجوه.
الأول : أنه تعالى قال :﴿آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا﴾ والرحمة هي النبوة بدليل قوله تعالى :﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ﴾ [ الزخرف : ٣٢ ] وقوله :﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ﴾ [ القصص : ٨٦ ] والمراد من هذه الرحمة النبوة، ولقائل أن يقول نسلم أن النبوة رحمة أما لا يلزم أن يكون كل رحمة نبوة.
الحجة الثانية : قوله تعالى :﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا بواسطة تعليم معلم ولا إرشاد مرشد وكل من علمه الله لا بواسطة البشر وجب أن يكون نبياً يعلم الأمور بالوحي من الله.
وهذا الاستدلال ضعيف لأن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله وذلك لا يدل على النبوة.
الحجة الثالثة : أن موسى عليه السلام قال :﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تعلمني﴾ [ الكهف : ٦٦ ] والنبي لا يتبع غير النبي في التعليم وهذا أيضاً ضعيف، لأن النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبياً أما في غير تلك العلوم فلا.
الحجة الرابعة : أن ذلك العبد أظهر الترفع على موسى حيث قال له :﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ وأما موسى فإنه أظهر التواضع له حيث قال :﴿لا أَعْصِى لَكَ أمْراً﴾ وكل ذلك يدل على أن ذلك العالم كان فوق موسى، ومن لا يكون نبياً لا يكون فوق النبي وهذا أيضاً ضعيف لأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها.
فلم قلتم إن ذلك لا يجوز فإن قالوا لأنه يوجب التنفير.


الصفحة التالية
Icon