فصل
قال الفخر :
إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنه ما زاد على أن ذكره ما عاهده عليه فقال :﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً﴾ وهذا عين ما ذكره في المسألة الأولى إلا أنه زاد ههنا لفظة لك لأن هذه اللفظة تؤكد التوبيخ فعند هذا قال موسى :﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى﴾ مع العلم بشدة حرصه على مصاحبته وهذا كلام نادم شديد الندامة ثم قال :﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً﴾ والمراد منه أنه يمدحه بهذه الطريقة من حيث احتمله مرتين أولاً وثانياً، مع قرب المدة وبقي مما يتعلق بالقراءة في هذه الآية ثلاثة مواضع : الأول : قرأ نافع برواية ورش وقالون وابن عامر وأبو بكر عن عاصم نكراً بضم الكاف في جميع القرآن والباقون ساكنة الكاف حيث كان وهما لغتان.
الثاني : الكل قرأوا :﴿لا تُصَاحِبْنِى﴾ بالألف إلا يعقوب فإنه قرأ :( لا تصحبني ) من صحب والمعنى واحد الثالث : في ﴿لدني﴾ قراءات.
الأولى : قراءة نافع وأبي بكر في بعض الروايات عن عاصم :﴿من لدني﴾ بتخفيف النون وضم الدال.
الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم :﴿لدني﴾ مشددة النون وضم الدال.
الثالثة : قرأ أبو بكر عن عاصم بالإشمام وغير إشباع.
الرابعة :﴿من لدني﴾ بضم اللام وسكون الدال في بعض الروايات عن عاصم وهذه القراءات كلها لغات في هذه اللفظة.
﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا ﴾
اعلم أن تلك القرية هي أنطاكية وقيل هي الأيلة وههنا سؤالات : الأول : إن الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدم عليه موسى وذلك العالم لأن موسى كان من عادته عرض الحاجة وطلب الطعام ألا ترى أنه تعالى حكى عنه أنه قال في قصة موسى عند ورود ماء مدين :﴿رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [ القصص : ٢٤ ].