ثم بين تعالى أن من هذه صفته ﴿يَلْقُونَ غَيّاً﴾ وذكروا في الغي وجوهاً : أحدها : أن كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد، قال الشاعر :
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره.. ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وثانيها : قال الزجاج :﴿يَلْقُونَ غَيّاً﴾ أي يلقون جزاء الغي، كقوله تعالى :﴿يَلْقَ أَثَاماً﴾ [ الفرقان : ٦٨ ] أي مجازاة الآثام.
وثالثها : غياً عن طريق الجنة.
ورابعها : الغي واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها والوجهان الأولان أقرب فإن كان في جهنم موضع يسمى بذلك جاز ولا يخرج من أن يكون المراد ما قدمنا لأنه المعقول في اللغة، ثم بين سبحانه أن هذا الوعيد فيمن لم يتب، وأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة لا يلحقهم ظلم، وههنا سؤالان : الأول : الاستثناء دل على أنه لا بد من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً فإنه لا يجب عليها الصلاة والزكاة أيضاً غير واجبة، وكذا الصوم فههنا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح، و الجواب أن هذه الصورة نادرة، والمراد منه الغالب.
السؤال الثاني : قوله :﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ هذا إنما يصح لو كان الثواب مستحقاً على العمل، لأنه لو كان الكل بالتفضل لاستحال حصول الظلم لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد.
الجواب : أنه لما أشبهه أجرى على حكمه.
﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) ﴾