استغرق ـ ﷺ ـ في بحار الجلال، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانياً عن نفسه وعن جميع الأكوان، فعبر عن ذلك، عادلاً عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة بقوله :﴿فأخرجنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة ﴿به أزواجاً﴾ أي أصنافاً متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحداً لا شبيه له ﴿من نبات شتى﴾ أي مختلفة جداً في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم ؛ ثم أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة بقوله حالاً من فاعل ﴿أخرجنا﴾ :﴿كلوا﴾ أي ما دبره لكم بحكمته منها ﴿وارعوا﴾ أي سرحوا في المراعي ﴿أنعامكم﴾ ما أحكمه لها ولا يصلح لكم، فكان من متقن تدبيره أن جعل أرزاق العباد بعملها تنعيماً لهم، وجعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يقدرون على أكله، وقد دلت هذه الأوصاف على تحققه سبحانه قطعاً بأنه لا يضل ولا ينسى من حيث إنه تعالى أبدع هذا العالم شاملاً لكل ما يحتاجه من فيه لما خلقهم له من السفر إليه والعرض عليه في جميع تقلباتهم على اختلافها، وتباين أصنافها، وتباعد أوصافها، وعلى كثرتهم، وتنائي أمزجتهم، ولم يدعه ناقصاً من شيء من ذلك بخلاف غيره، فإنه لو عمل شيئاً واجتهد كل الاجتهاد في تكميله فلا بد أن يظهر له فيه نقص ويصير يسعى في إزالته وقتاً بعد وقت.
ولما كمل هذا البرهان القويم، دالاً على العليم الحكيم، قال منبهاً على انتشار أنواره، وجلالة مقداره، مؤكداً لأجل إنكار المنكرين :﴿إن في ذلك﴾ أي الإنشاء هذه الوجوه المختلفة ﴿لآيات﴾ على منشئه ﴿لأولي النهى﴾ العقول التي من شأنها أن تنهى صاحبها عن الغيّ، ومن عمي عن ذلك فلا عقل له أصلاً لأن عقله لم ينفعه، وما لا ينفع في حكم العدم، وذكر ابن كثير هنا ما عزاه ابن إسحاق في السيرة لزيد بن عمرو بن نفيل، وابن هشام لأمية بن أبي الصلت :
وأنت الذي من فضل منّ ورحمة...


الصفحة التالية
Icon