والجواب أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى والقوم إنما جاؤوا لمعارضته فقال عليه السلام : لو أني بدأت بإظهار المعجزة أولاً لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وذلك غير جائز، ولكني أفوض الأمر إليهم حتى أنهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر ثم أنا أظهر المعجز الذي يبطل سحرهم فيكون على هذا التقدير سبباً لإزالة الشبهة، وأما على التقدير الأول فإنه يكون سبباً لوقوع الشبهة فكان ذلك أولى.
أما قوله :﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى :
قال ابن عباس رضي الله عنهما :﴿أَلْقَوْاْ حبالهم وَعِصِيَّهُمْ﴾ ميلاً من هذا الجانب وميلاً من هذا الجانب فخيل إلى موسى عليه السلام أن الأرض كلها حيات وأنها تسعى فخاف فلما قيل له :﴿أَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ ألقى موسى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم ثم أخذت تزداد عظماً حتى ملأت الوادي ثم صعدت وعلت حتى علقت ذنبها بطرف القبة ثم هبطت فأكلت كل ما عملوا في الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعاً فصاح بموسى عليه السلام فأخذها فإذا هي عصى كما كانت ونظرت السحرة فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئاً إلا أكلته فعرفت السحرة أنه ليس بسحر وقالوا أين حبالنا وعصينا لو لم تكن سحراً لبقيت (١) فخروا سجداً وقالوا :﴿آمنا بِرَبّ العالمين * رَبّ موسى وهارون﴾ [ الأعراف : ١٢١، ١٢٢ ].
المسألة الثانية :
اختلفوا في عدد السحرة قال القاسم بن سلام : كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد عصا وحبل.

(١) الضمير في قوله :(تكن) و(بقيت) لا يعود على عصى موسى وإنما يعود على حبال السحرة وعصيهم. (الصاوي).


الصفحة التالية
Icon