استدلت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب الكبائر قالوا : صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم لقوله :﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ وكلمة من في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه يجوز استثناء كل واحد منها والإستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، واعترض بعض المتكلمين من أصحابنا على هذا الكلام، فقال : لا نسلم أن صاحب الكبيرة مجرم والدليل عليه أنه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فإنه قال في هذه الآية :﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ وقال :﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [ المطففين : ٢٩ ] وأيضاً فإنه قال :﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ والمؤمن صاحب الكبيرة وإن عذب بالنار لا يكون بهذا الوصف، وفي الخبر الصحيح :" يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان " واعلم أن هذه الاعتراضات ضعيفة، أما قوله : إن الله تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فهذا مسلم لكن هذا إنما ينفع لو ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن فهذا المعترض كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط، قوله ثانياً : إنه لا يليق بصاحب الكبيرة أن يقال في حقه : إن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، قلنا : لا نسلم فإن عذاب جهنم في غاية الشدة قال تعالى :﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [ آل عمران : ١٩٢ ] وأما الحديث فيقال : القرآن متواتر فلا يعارضه خبر الواحد.
ويمكن أن يقال : ثبت في أصول الفقه أنه يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد وللخصم أن يجيب فيقول ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع إليه في العمليات، وهذه المسألة ليست من العمليات بل من الاعتقادات، فلا يجوز المصير إليها ههنا.


الصفحة التالية
Icon