والثاني : أن المراد بالنسيان الترك وأنه ترك ما عهد إليه من الاحتراز عن الشجرة وأكل من ثمرتها، وقرىء : فنسي أي فنساه الشيطان، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يقال : أقدم على المعصية من غير تأويل وأن يقال : أقدم عليها مع التأويل، والكلام فيه قد تقدم في سورة البقرة، وأما قوله :﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ففيه أبحاث :
البحث الأول : الوجود يجوز أن يكون بمعنى العلم ومنه ولم نجد له عزماً وأن يكون نقيض العدم كأنه قال : وعدمنا له عزماً.
البحث الثاني : العزم هو التصميم والتصلب، ثم قوله :﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ يحتمل ولم نجد له عزماً على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب، ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد له عزماً على ترك المعصية أو لم نجد له عزماً على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو لم نجد له عزماً على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا : إنه عليه السلام إنما أخطأ بالاجتهاد.
وأما قوله :﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى﴾ فهذا يشتمل على مسائل : إحداها : أن المأمورين كل الملائكة أو بعضهم.
وثانيتها : أنه ما معنى السجود.
وثالثتها : أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ؟ وإن لم يكن فكيف صح الاستثناء وبأي شيء صار مأموراً بالسجود ؟ ورابعتها : أن هذا يدل على أن آدم أفضل من محمد ﷺ أم لا ؟ وخامستها : أن قوله في صفة إبليس أنه أبى كيف لزم الكفر من ذلك الإباء وأنه هل كان كافراً ابتداء أو كفر بسبب ذلك.
واعلم أن هذه المسائل مرت على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة، أما قوله :﴿فَقُلْنَا يائادم إِن هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى﴾ ففيه سؤالات : الأول : ما سبب تلك العداوة ؟ الجواب من وجوه : أحدها : أن إبليس كان حسوداً فلما رآى آثار نعم الله تعالى في حق آدم عليه السلام حسده فصار عدواً له.