"وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها" من التزوج بالحلال السيدة مريم بنت عمران "فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا" المراد من الروح هنا معناه المعروف والإضافة إلى ضميره تعالى للتشريف، ونفخ الروح عبارة عن الإحياء لعيسى عليه السلام الذي قدر اللّه تكوينه في بطنها، وليس هناك نفخ حقيقة، ولهذا صح أن يقال نفخنا فيها، لأن ما يكون فيما في الشيء يكون فيه، فلا يلزم أن يكون المعنى أحييناها أي مريم، كما قاله بعض المفسرين، وليس هذا بمراد، وهو كما يقول الزّمار نفخت في بيت فلان وهو قد نفخ في المزمار في بيته، وقدمنا القصة ومعنى النفخ في الآية ٢٤ من سورة مريم في ج ١، وأوضحنا هناك معنى الروح أيضا فراجعه، ولبحثه صلة في الآية الأخيرة من سورة التحريم في ج ٣ فراجعه، "وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ" ٩١ على كمال قدرتنا إذ خلفناه من غير أب، ولم يقل آيتين كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ) الآية ١٢ من سورة الإسراء في ج ١، لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل، أي وجعلنا شأنها وأمرها آية.
أخبر اللّه تعالى في هذه الآيات وأمثالها من القرآن العظيم وهو أصدق المخبرين بأن مريم عليها السلام محصنة من الحلال، والتي تحصن نفسها من الحلال لا يتصور أن لا تحصنه من الحرام، قاتل اللّه اللئام الذين يفترون عليها ويبهتونها، تنزهت وتبرأت عما يقول الظالمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون "إِنَّ هذِهِ" ملة الإسلام وأمة الإيمان "أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً" وملة واحدة وهي ملة جميع الأنبياء ودينهم، لا دين غيره اختاره اللّه لكم أيها الناس لتمسكوا به وتعبدوا اللّه وحده وهي التي أدعوكم إليها لتعضوا عليها بالنواجذ، لأن جميع الكتب نازلة في شأنها، والأنبياء كلهم مبعوثون للدعوة
إليها ومتفقون عليها.


الصفحة التالية
Icon