اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال : أحدها : وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن المعنى كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية، قال كعب : خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاً توسطتهما ففتقهما بها.
وثانيها : وهو قول أبي صالح ومجاهد أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات وكذلك الأرضون.
وثالثها : وهو قول ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر، ونظيره قوله تعالى :﴿والسماء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [ الطارق : ١١، ١٢ ] ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك :﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا.
فإن قيل : هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا، قلنا : إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال : ثوب أخلاق وبرمة أعشار.
واعلم أن هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار.
ورابعها : قول أبي مسلم الأصفهاني : يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله :﴿فَاطِرَ السموات والأرض﴾ [ الشورى : ١١ ] وكقوله :﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السموات والأرض الذى فطَرَهُنَّ﴾ [ الأنبياء : ٥٦ ] فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق.


الصفحة التالية
Icon