فصل
قال الفخر :
واعلم أنه سبحانه لما ذكر النعم التي خص داود بها ذكر بعده النعم التي خص بها سليمان عليه السلام، وقال قتادة : ورث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده عليه أمرين سخر له الريح والشياطين.
الإنعام الأول : قوله تعالى :﴿ولسليمان الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ أي جعلناها طائعة منقادة له بمعنى أنه إن أرادها عاصفة كانت عاصفة وإن أرادها لينة كانت لينة والله تعالى مسخرها في الحالتين، فإن قيل : العاصف الشديدة الهبوب، وقد وصفها الله تعالى بالرخاوة في قوله :﴿رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ﴾ فكيف يكون الجمع بينهما.
والجواب : من وجهين : الأول : أنها كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال :﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ وكانت جامعة بين الأمرين رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان عليه السلام وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة.
الثاني : أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً، لأجل هبوبها على حكم إرادته.
المسألة السادسة :
قرىء الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب للعطف على الجبال، فإن قيل : قال في دواد :﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال﴾ وقال في حق سليمان :﴿ولسليمان الريح﴾ فذكره في حق داود عليه السلام بكلمة مع وفي حق سليمان عليه السلام باللام وراعى هذا الترتيب أيضاً في قوله :﴿ياجبال أَوّبِي مَعَهُ والطير﴾ وقال :﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِى بِأَمْرِهِ﴾ فما الفائدة في تخصيص داود عليه السلام بلفظ مع، وسليمان باللام قلنا يحتمل أن الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف، فما أضيف إليه بلام التمليك، أما الريح فلم يصدر عنه إلا ما يجري مجرى الخدمة، فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك، وهذا إقناعي.