أما القول الثاني : وهو أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم قالوا إنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب، فلما كشف العذاب عنهم بعد ما توعدهم به خرج منهم مغاضباً، ثم ذكروا في سبب الخروج والغضب أموراً.
أحدها : أنه استحى أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الكذب.
وثانيها : أنه كان من عادتهم قتل الكاذب.
وثالثها : أنه دخلته الأنفة.
ورابعها : لما لم ينزل العذاب بأولئك، وأكثر العلماء على القول بأن قصة الحوت وذهاب يونس عليه السلام مغاضباً بعد أن أرسله الله تعالى إليهم، وبعد رفع العذاب عنهم.
المسألة الثالثة :
احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه.
أحدها : أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه ويقال، هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير فإذا كان كذلك فيلزم أن مغاضبته لله تعالى من أعظم الذنوب، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله تعالى بل كانت مع ذلك الملك أو مع القوم فهو أيضاً كان محظوراً لأن الله تعالى قال :
﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت﴾ [ القلم : ٤٨ ] وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس كان محظوراً.
وثانيها : قوله تعالى :﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله تعالى.
وثالثها : قوله :﴿إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى :﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [ هود : ١٨ ].
ورابعها : أنه لو لم يصدر منه الذنب، فلم عاقبه الله بأن ألقاه في بطن الحوت.
وخامسها : قوله تعالى في آية أخرى :﴿فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [ الصافات : ١٤٢ ] والمليم هو ذو الملامة، ومن كان كذلك فهو مذنب.


الصفحة التالية
Icon