ولما كان في غاية من العجب أن يكون التقطيع واقعاً منهم بهم وأن يكون مستغرقاً لظرفه، قال :﴿بينهم﴾ أي فكانوا فرقاً كل فرقة على شعبة من ضلال، زينها لها هواها، فلم يدعوا شيئاً من الأمر بغير تقطيع، وكان العطف بالواو دون الفاء كما في المؤمنون لأن ترك العبادة ليس سبباً للتقطع، بل ربما كان عنه الاجتماع على الضلال، كما يكون في آخر الزمان وكما قال تعالى ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ [ البقرة : ٢١٣ ] الآية ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [ البينة : ٤ ].
ولما كان كأنه قيل : فماذا يفعل بهم؟ قال ما هو غاية في الدلالة على باهر العظمة وتام القدرة ليكون أشد في الوعيد، وصادع التهديد :﴿كل﴾ أي من هذه الفرق وإن بالغ في التمرد ﴿إلينا﴾ على عظمتنا التي لا يكافئها شيء، لا إلى غيرنا ﴿راجعون﴾ فنحكم بينهم فيتسبب عن ذلك أنا نجازيهم إقامة للعدل فنعطي كلاًّ من المحق التابع لأصفيائنا والمبطل المائل إلى الشياطين أعدائنا ما يستحقه، وذلك هو معنى قوله تعالى، فارقاً بين المحسن والمسيء تحقيقاً للعدل وتشويقاً بالفضل :﴿فمن يعمل﴾ أي منهم الآن من ﴿الصالحات وهو﴾ أي والحال أنه ﴿مؤمن﴾ أي بان لعمله على الأساس الصحيح ﴿فلا كفران﴾ أي إبطال بالتغطية ﴿لسعيه﴾ بل نحن نجزيه عليه بما يستحقه ونزيده من فضلنا ﴿وإنا له﴾ أي لسعيه الآن على عظمتنا ﴿كاتبون﴾ وما كتبناه فهو غير ضائع، بل باق، لنطلعه على يوم الجزاء بعد أن نعطيه قدرة على تذكره، فلا يفقد منه شيئاً قل أو جل، ومن المعلوم أن قسميه " ومن يعمل من السيئات وهو كافر فلا نقيم له وزناً " و" من عمل منها وهو مؤمن فهو في مشيئتنا "، ولعله حذف هذين القسمين ترغيباً في الإيمان. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٥ صـ ١١٠ ـ ١١٢﴾


الصفحة التالية
Icon