فهؤلاء ومن كان على شاكلتهم من المختلفين في أمر الدين المنزل عليك يا أكمل الرّسل لا تعبا بهم الآن "إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ" وبينك وأتباعك ومن اقتفى أثرك ومشى على طريقك "يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (١٧) تقدم تفسير مثله في الآية ٦٢ من سورة البقرة المارة وسيأتي ما يقاربها في الآية ٧٧ في المائدة عدا كلمة المجوس قال تعالى "أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ" كل بما يناسبه بما أراده اللّه منه، وبما أن من النّاس من يسجد قولا وفعلا، قال جل قوله "وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" لأن بعضهم يتركه ظاهرا وتكبرا وتمردا وهو في الحقيقة ساجد خاضع منقاد للّه تعالى بكليته.
سئل الحجاج هل قتلت أحدا بحق ؟
قال بلى، قتلت ثلاثة وإني لأرجو أن أدخل الجنّة بسبب قتلهم، وعدّ منهم رجلا أمره بالصلاة فقال ما يمنعني منها إلّا سجودها وركوعها لما يبدو من ذلك من تمثل العورة، أي أنه يأنف من ذلك ولو كان أمام اللّه، فقتله لذلك وما ذلك على اللّه بعزيز إذا حسنت نية الحجاج "وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ" لكفرهم وابائهم عن السّجود مثل هذا الذي ذكره الحجاج لأن من يستكبر أن يسجد للّه فهو كافر "وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ" بالشقاوة الواقعة منه عن رغبة واختيار "فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ" بالسعادة التي أعرض عن أسبابها فسببت له الذل، ومن يذلّه اللّه لا يكرمه النّاس ولا يصيرونه مكرما عندهم، لأنه مهان عند ربه "إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ" (١٨) من إكرام أناس وإهانة آخرين بمقتضى أعمالهم ومنهم يسجد قولا ويأنف فعلا كالمار ذكره، ومنهم من لا يسجد قولا ولا فعلا كالكفرة، أما الطّيور والحيوانات والكواكب والجبال والأشجار والنّبات فتسجد