فصل
قال الفخر :
﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
اعلم أنه تعالى لما قال من قبل ﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ [ الحج : ٦٩ ] أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله :﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماء والأرض﴾ وههنا مسائل :
المسألة الأولى :
قوله :﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول ﷺ والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى.
المسألة الثانية :
الخطاب مع الرسول ﷺ والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت إلا بعد العلم بكونه تعالى عالماً بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلاً على الصدق، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالماً بذلك.
فثبت أن المراد أن يكون خطاباً مع الغير.
أما قوله :﴿إِنَّ ذلك فِى كتاب﴾ ففيه قولان : أحدهما : وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به، فالمراد من قوله :﴿إِنَّ ذلك فِى كتاب﴾ أنه محفوظ عنده والتالي وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى، لأن القول الأول وإن كان صحيحاً نظراً إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى.