وأما نظم الأمور على نهج السداد في إظهار الدين، وقهر المعاندين، فإلى الذي أمرك بتلك الأوامر، وأحكم الشأن في جميع الزواجر ؛ ثم علل ذلك بقوله :﴿إنك﴾ مؤكداً له بحسب ما عندهم من الإنكار ﴿لعلى هدى مستقيم﴾ فإنه تأصيل العليم القدير وإن طرقه التغيير.
ولما أمره بالإقبال على ما يهمه، والإعراض عن منازعتهم، في صيغة نهيهم عن منازعته، علمه الجواب إن ارتكبوا منهيه بعد الاحتهاد في دفعهم، لما لهم من اللجاج والعتو، فقال :﴿وإن جادلوك﴾ أي في شيء من دينك بشيء مما تقدم من أقوالهم السفسافة أو بغيره ﴿فقل﴾ معرضاً عن عيب دينهم الذي لا أبين فساداً منه :﴿الله﴾ أي الملك المحيط بالعز والعلم ﴿أعلم بما تعملون﴾ مهدداً لهم بذلك، مذكراً لنفسك بقدرة ربك، قاطعاً بذلك المنازعة من حيث رقّب، متوكلاً على الذي أمرك بذلك في حسن تدبيرك والمدافعة عنك ومجازاتهم بما سبق علمه به مما يستحقونه ؛ قال الرازي في اللوامع : وينبغي أن يتأدب بهذا كل أحد، فإن أهل الجدل قوم جاوزوا حد العوام بتحذلقهم، ولم يبلغوا درجة الخواص الذين عرفوا الأشياء على ما هي عليه، فالعوام منقادون للشريعة، والخواص يغرفون أسرارها وحقائقها، وأهل الجدل قوم في قلوبهم اضطراب وانزعاج.
ولما أمره بالإعراض عنهم، وكان ذلك شديداً على النفس لتشوفها إلى النصرة، رجاه في ذلك بقوله : مستأنفاً مبدلاً من مقول الجزاء تحذيراً لهم :﴿الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿يحكم بينكم﴾ أي بينك مع أتباعك وبينهم ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو يوم التغابن ﴿فيما كنتم﴾ أي بما هو لكم كالجبلة ﴿فيه﴾ أي خاصة ﴿تختلفون﴾ في أمر الدين، ومن نصر ذلك اليوم لم يبال بما حل به قبله ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [ الشعراء : ٢٢٧ ] قال البغوي : والاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٥ صـ ١٧٢ ـ ١٧٤﴾


الصفحة التالية
Icon