قال تعالى "وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ" قريشا قوم محمد "بِالْعَذابِ" القحط ليرجعوا إلى اللّه وهو أشد عذاب الدنيا "فَمَا اسْتَكانُوا" ما خضعوا ولا لجأوا "لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ" ٧٦ إليه ليكشفه عنهم بل أصروا على كفرهم.
وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يصلي في مكة في الحرم الشريف فألقى عليه بعض المشركين سلى جزور، فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف.
فأصابهم القحط، فقال أبو سفيان تزعم يا محمد أنك بعثت رحمة للعالمين، فقال بلى، فقال أنشدك اللّه والرحم، فإن قومك أكلت القد والعظام وأنهكهم الضر، فادع اللّه أن يكشف عنهم، فدعا فأنزل اللّه هذه الآية استشهادا على عدم خضوعهم وعلى دوامهم على حالتهم لقوله تعالى (وَما يَتَضَرَّعُونَ) وهذا القحط غير القحط الذي وقع بمكة بعد الهجرة كما ذكره السيد برهان الدين الحلبي في سيرته، وهذا غير الجوع الذي أصابهم بسبب منع ثمامة بن أثال الحنفي الميرة عنهم حينما جاءت به سرية محمد بن مسلمة التي بعثها صلّى اللّه عليه وسلم إلى بني بكر بن كلاب، فأسلم بعد أن امتنع ثلاثة أيام، ثم خرج معتمرا فلما قدم بطن مكة لبّى، وهو أول من دخلها ملبيا.
ومن هنا قال الحنفي :
ومنا الذي لبّى بمكّة معلنا برغم أبى سفيان بالأشهر الحرم
فأخذته قريش وأتبوه على تغيير دينه، فقال لهم اتبعت خير دين، دين محمد الأمين صلّى اللّه عليه وسلم.
ثم قال واللّه لا يصلكم حبة من اليمامة حتى يأذن رسول اللّه، ثم منع الميرة عن أهل مكة.
فكتبت قريش إلى رسول اللّه وهو في المدينة تستغيث به مما أصابها من الجوع، فأذن لثمامة أن يمتاروا، وهذه الحادثة قبل الفتح، وعلى هذا يكون القحط أصاب قريشا ثلاث مرات واللّه أعلم.


الصفحة التالية
Icon