ولما كانت إماتة ما صار هكذا - بعد القوة العظيمة والإدراك التام - من الغرائب، وكان وجودها فيه وتكرارها عليه في كل وقت قد صيرها أمراً مألوفاً، وشيئاً ظاهراً مكشوفاً، وكان عتو الإنسان على خالقه وتمرده ومخالفته لأمره نسياناً لهذا المألوف كالإنكار له، أشار إلى ذلك بقوله تعالى مسبباً مبالغاً في التأكيد :﴿ثم إنكم﴾ ولما كان من الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، نزع الجار فقال :﴿بعد ذلك﴾ أي الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد في العمر في آجال متفاوتة ﴿لميتون﴾ وأشار بهذا النعت إلى أن الموت أمر ثابت للإنسان حيّ في حال حياته لازم له، بل ليس لممكن من ذاته إلا العدم.
ولما تقرر بذلك القدرة على البعث تقرراً لا يشك فيه عاقل، قال نافياً ما يوهمه إعراء الظرف من الجار :﴿ثم إنكم﴾ وعين البعث الأكبر التام، الذي هو محط الثواب والعقاب، لأن من أقر بما هو دونه من الحياة في القبر وغيرها، فقال :﴿يوم القيامة﴾ أي الذي يجمع فيه جميع الخلائق ﴿تبعثون﴾ فنقصه عن تأكيد الموت تنبيهاً على ظهوره، ولم يخله عن التأكيد لكونه على خلاف العادة، وليس في ذكر هذا نفي للحياة في القبر عند السؤال. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٥ صـ ١٨٦ ـ ١٨٩﴾


الصفحة التالية
Icon