قال تعالى ثالثا "وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ" من كل مادب على وجه الأرض البارزة والمغمورة بالماء ويخرج من هذا العموم الملائكة لأنهم خلقوا من النّور والجن لأنهم خلقوا من النّار، وكلّ من هذين النّوعين لم يشاهده البشر على صورته الحقيقية إلّا من اختصه اللّه بذلك أما آدم عليه السّلام فإنه خلق من الطّين، والطّين لا يخلو من ماء فيكون داخلا في هذه الآية، وهذا الماء المشار إليه نسبيّ بنسبة المخلوق منه، ففي الإنسان وبعض الحيوان نطفة، وفي غيرها ما يقابلها، ويطلق على الكل ماء، قال تعالى (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) الآية ٣١ من الأنبياء ج ٢ فالمخلوق من نطفة لا تسمى ماء لا بد أن يكون متكونا من شيء آخر، وذلك الشّيء لا بد أن يكون أصله مركبا من الماء، فيكون الكل من الماء اجمالا، لأن فيه حياة كلّ نام، وان ما خلق من التراب المتحجر كالفأر، وما خلق من الزبل كالخنافس، وما خلق من الطّين كالديدان وما خلق من النّار كالسمندل، وما خلق من الثلج كاليخ أيضا داخل في هذه
الآية، لأن كلا منها فيه ماء، قال تعالى "فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ" كالحيات والدّيدان والأسماك وغيرها "وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ" كالإنسان والطّير وغيرها مما لا نعرفه "وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ" كالبهائم والوحوش وغيرها كثير.
ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع كالعناكب والعقارب والرّتيلات وأم أربع وأربعين وأم سبع وسبعين وغيرها لقلتها بالنسبة لذوات الأربع، ولأن اعتماد هذه الحشرات في المشي على أربع فقط وبقية الأرحل تبع لها "يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ" ممن يعقل ومما لا يعقل وما يعلم وما لا يعلم مما رآه البشر ومما لم يره "إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ" من أنواع الخلق وأجناسه وأصنافه "قَدِيرٌ ٤٥" لا يعجزه