ولما كانت لذة الخطاب تنسي كل عتاب، أقبل سبحانه بفضله ومنّه وطوله على أولي الفضل، مرغباً في أن يفعلوا بغيرهم ما يحبون أن يفعل بهم، مرهباً من أن يشدد عليهم إن شددوا فقال :﴿ألا تحبون﴾ أي يا أولي الفضل ﴿أن يغفر الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لكم﴾ أي ما قصرتم في حقه، وسبب نزولها كما في الصحيح من حديث عائشة ـ رضى الله عنه ـ ا أن أباها رضي الله تعالى عنه كان حلف ما بعد برأ الله عائشة ـ رضى الله عنه ـ ا أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لكونه خاض من أهل الإفك ؛ وفي تفسير الأصبهاني عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ : أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ـ رضى الله عنه ـ م أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية.
وناهيك بشهادة الله جل جلاله للصديق بأنه من أولي الفضل فيا له من شرف ما أجلاه! ومن سؤدد وفخار ما أعلاه! ولا سيما وقد صدقه ـ رضى الله عنه ـ بالعفو عمن شنع على ثمرة فؤاده ومهجة كبده، وهي الصديقة زوجة خاتم المرسلين، وخير الخلائق أجمعين، والحلف على أنه لا يقطع النفقة عنه أبداً، فيا لله من أخلاق ما أبهاها! وشمائل ما أطهرها وأزكاها! وأشرفها وأسندها.
ولما كان الجواب قطعاً كما أجاب الصديق ـ رضى الله عنه ـ : بلى والله! إنا لنحب أن يغفر الله لنا، وكان كأنه قيل : فاغفروا لمن أساء إليكم، فالله حكم عدل، يجازيهم على إساءتهم إليكم إن شاء، والله عليم شكور، يشكر لكم ما صنعتم إليهم، عطف عليه قوله :﴿والله﴾ أي مع قدرته الكاملة وعلمه الشامل ﴿غفور رحيم﴾ من صفته ذلك، إن شاء يغفر لكم ذنوبكم بأن يمحوها فلا يدع لها أثراً ويرحمكم بعد محوها بالفضل عليكم كما فعلتم معهم، فإن الجزاء من جنس العمل. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٥ صـ ٢٤٦ ـ ٢٤٨﴾