وقال الشيخ الشعراوى :
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾
يعطينا الحق تبارك وتعالى صورة للعبودية الحقة، ونموذجاً للذين اتبعوا المنهج، كأنه سبحانه وتعالى يقول لنا : دَعْكُم من الذين أعرضوا عن منهج الله وكذَّبوا رسوله، وانظروا إلى أوصاف عبادي الذين أمنوا بي، ونفَّذوا أحكامي، وصدَّقوا رسولي.
نقول : عباد وعبيد. والتحقيق أن ( عبيد ) جمع لعبد، وأن ( عباد ) جمع لعابد مثل : رجال جمع راجل :﴿ وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ [ الحج : ٢٧ ] إذن : عبيد غير عِبَاد.
وسبق أن تحدثنا عن الفَرْق بين العبيد والعباد، فكلنا عبيد لله تعالى : المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فما دام يطرأ عليه في حياته ما لا يستطيع أنْ يدفعه مع أنه يكرهه فهو مقهور، فالعبد الكافر الذي تمرَّد على الإيمان بالله، وتمرَّد على تصديق الرسول، وتمرد على أحكام الله فلم يعمل بها.
فهل بعد أن أَلِفَ التمرد يستطيع أن يتمرد على المرض إنْ أصابه؟ أو يستطيع التمرد على الموت إنْ حلّ بساحته؟ إذن : فأنت عبد رغماً عنك، وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه، ثم لنا بعد ذلك مساحة من الاختيار.
أما المؤمن فقد خرج عن اختياره الذي منحه الله في أن يؤمن أو يكفر، وتنازل عنه لمراد ربه، فاستحق أن يكون من عباد الله ﴿ وَعِبَادُ الرحمن ﴾ [ الفرقان : ٦٣ ] فنحن وإنْ كنا عبيداً فنحن سادة ؛ لأننا عبيد الرحمن ؛ لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله ﷺ في الإسراء هي عبوديته لله تعالى، حيث قال :﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ﴾ [ الإسراء : ١ ]، فالعبودية هي علة الارتقاء.
فلما أخلص رسول الله العبودية لله نال هذا القُرْب الذي لم يسبقه إليه بشر.