ولما كان الرجوع عنه أغلظ، أكد فقال :﴿عملاً صالحاً﴾ أي مؤسساً على أساس الإيمان ؛ ثم زاد في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطاً للجزاء بالشرط دليلاً على أنه سببه فقال :﴿فأولئك﴾ أي العالو المنزلة ﴿يبدل الله﴾ وذكر الاسم الأعظم تعظيماً للأمر وإشارة إلى أنه سبحانه لا منازع له ﴿سيئاتهم حسنات﴾ أي بندمهم على تلك السيئات، لكونها ما كانت حسنات فيكتب لهم ثوابها بعزمهم الصادق على فعلها لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا، بحيث إذا رأى أحدهم تبديل سيئاته بالحسنات تمنى لو كانت سيئاته أكثر! وورد أن بعضهم يقول : رب! إن لي سيئات ما رأيتها - رواه مسلم في أواخر الإيمان من صحيحه عن أبي ذر ـ رضى الله عنه ـ رفعه.
ولما كان هذا أمراً لم تجر العادة بمثله، أخبر أنه صفته تعالى أزلاً وأبداً، فقال مكرراً للاسم الأعظم لئلا يقيد غفرانه شيء مما مضى :﴿وكان الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام على الإطلاع ﴿غفوراً﴾ أي ستوراً لذنوب كل من تاب بهذا الشرط ﴿رحيماً﴾ له بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة ؛ روى البخاري عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك، لما نزل صدرها قال أهل مكة : فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل الله ﴿إلا من تاب﴾ [ الفرقان : ٧ ] - إلى - ﴿رحيماً﴾ [ الفرقان : ٧ ] ؛ وروي عنه أيضاً أنه قال : هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء.
أي على تقدير كونها عامة في المشرك وغيره ؛ وروي عنه أنه قال في آية النساء : نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء.


الصفحة التالية
Icon