قال تعالى "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" ٢١٤ خصّهم بالذكر لنفي التهمة عن التساهل معهم في أمر الدين وليعلموا أنه لا يغني عنهم من اللّه شيئا إذا حل بهم عذابه وليعلم الناس كافة أن النجاة في اتباعه والتصديق لما جاء به في دينه لا في قرابته، راجع الآية ٨٩ المارة "وَاخْفِضْ جَناحَكَ" يا سيد الرسل "لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" ٢١٥ بك القريب منهم والبعيد، أما الكافرون فلا يليق أن تلين لهم جانبك، بل شدد عليهم برفض الشرك وحذرهم من تكذيبك "فَإِنْ عَصَوْكَ" أقاربك وعشيرتك وسائر قومك، ولم يقبلوا نصحك ولم يلتفتوا لإرشادك "فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ" ٢١٦ من الكفر والمعاصي والأفعال الذميمة والأحوال السافلة، واتركهم ولا تعبأ بهم الآن، لأنك لم تكلف إلا بإبلاغهم ما يوحى إليك، وذلك لأنه لم يؤمر بقتالهم بعد، ولذلك
اقتصر أمره على الإنذار والتبشير والتبري مما هم عليه من القبائح، لا منهم لأنه لو أمر بالتبري منهم لما بقي شفيعا للعصاة يوم القيامة.
مطلب أن الأقارب أولى من غيرهم في كل شيء :
وما قيل إن هذه الآية منسوخة بآية السيف قيل لا قيمة له، لأن معناها صحيح قبل آية السيف وبعدها، وحكمها باق، لأن لأقربين لهم مزية على غيرهم، ولين الجانب مطلوب للجميع ومن الجميع، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين انزل اللّه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) قال يا معشر قريش أو كلمة غيرها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من اللّه شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من اللّه شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللّه شيئا، ويا صفية عمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا أغني عنك من اللّه شيئا ويا فاطمة بنت رسول اللّه لا أغني عنك من اللّه شيئا، سليني ما شئت من مالي.