ولما دعاه ـ ﷺ ـ باللين فأساء الأدب عليه في الجواب الماضي، ختم هذا البرهان بقوله :﴿إن كنتم تعقلون﴾ أي فأنتم تعلمون ذلك، فخيرهم بين الإقرار بالجنون أو العقل، بما أشار إليه من الأدلة في مقابلة ما نسبوه إليه من الجنون بسكوتهم وقول عظيمهم بغير شبهة، رداً لهم عن الضلالة، وإنقاذاً من واضح الجهالة، فكان قوله أنكأ مع أنه ألطف، وأوضح مع أنه أستر وأشرف.
فلما علم أنه قد قطعه بما أوضح من الأمر، ووصل معه في الغلظة إلى ما إن سكت عنه أوهن من حاله، وفتر من عزائم رجاله، تكلم بما السكوت أولى منه، فأخبر تعالى بقوله :﴿قال﴾ عادلاً عن الحجاج بعد الخوض فيه إلى المغالبة التي هي أبين علامات الانقطاع :﴿لئن اتخذت إلهاً غيري﴾ أي تعمدت أخذه وأفردته بتوجيه جميع قصدك إليه ﴿لأجعلنك من المسجونين﴾ أي واحداً ممن هم في سجوني على ما تعلم من حالي في اقتداري، ومن سجوني في فظاعتها، ومن حال من فيها من شدة الحصر، والغلظ في الحجر. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٥ صـ ٣٥٤ ـ ٣٥٦﴾