ولما كان الله سبحانه منزهاً عن الغرض، فكانت المغفرة لحظ العبد ليس غير، قال :﴿لي﴾ وأسند الخطيئة إليه هضماً لنفسه وتواضعاً لربه فقال :﴿خطيئتي﴾ أي تقصيري عن أن أقدره حق قدره، فإن الضعيف العاجز لا يبلغ كل ما ينبغي من خدمة العلي الكبير، وما فعله فهو بإقداره سبحانه فلا صنع له في الحقيقة أصلاً ﴿يوم الدين﴾ أي الجزاء.
ولما أثنى على الله تعالى بما هو أهله، وختم بذكر هذا اليوم العظيم، دعا بما ينحي عن هوله، فدل صنيعه على أن تقديم الثناء على السؤال أمر مهم، وله في الإجابة أثر عظيم، فقال ملتفتاً إلى مقام المشاهدة إشارة إلى أن الأمر مهول، وأنه لا ينقذ من خطره إلا عظيم القدرة، لما طبعت عليه النفس من النقائص :﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ ﴿هب لي حكماً﴾ أي عملاً متقناً بالعلم، وأصله بناء الشيء على ما توجبه الحكمة، ولما كان الاعتماد إنما هو على محض الكرم، فإن من نوقش الحساب عذب، قال :﴿وألحقني بالصالحين﴾ أي الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة، وهم من كان قوله وفعله صافياً عن شوب فساد.
ولما كان الصالح قد لا يظهر عمله، وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء وزيادة في الأجر، قال :﴿واجعل لي لسان صدق﴾ أي ذكراً جميلاً، وقبولاً عاماً، وثناء حسناً، بما أظهرت مني من خصال الخير ﴿في الآخرين﴾ أي الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين، لأكون للمتقين إماماً، فيكون لي مثل أجورهم، فإن " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " وقد كان ذلك إجابة من الله تعالى لدعائه، ومن أعظمه أن جعله الله شجرة مباركة فرع منها الأنبياء الذين أحيى بهم عليهم الصلاة والسلام ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان أعظمهم النبي الأمي ـ ﷺ ـ من قوله :" صل على محمد كما صليت على إبراهيم " إلى آخره.