فأما قوله :﴿ياْ أَيُّهَا الناس﴾ فالمقصود منه تشهير نعمة الله تعالى والتنويه بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، قال صاحب "الكشاف" المنطق كل ما يصوّت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وقد ترجم يعقوب كتابه "بإصلاح المنطق" وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب نطقت الحمامة ( وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته ) فالذي علم سليمان عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه.
أما قوله تعالى :﴿وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء﴾ فالمراد كثرة ما أوتي وذلك لأن الكل والبعض الكثير يشتركان في صفة الكثرة، والمشاركة سبب لجواز الاستعارة فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله :﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء﴾ [ النمل : ٢٣ ].
أما قوله :﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين﴾ فهو تقرير لقوله :﴿الحمد لِلَّهِ الذى فَضَّلَنَا﴾ والمقصود منه الشكر والمحمدة كما قال عليه السلام :" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " فإن قيل كيف قال :﴿عَلِمْنَا...
وَأُوتِينَا﴾
وهو من كلام المتكبرين ؟ جوابه من وجهين : الأول : أن يريد نفسه وأباه والثاني : أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجباً.
وأما قوله :﴿وَحُشِرَ لسليمان جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير﴾ فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذي يصح معه التكليف، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل، وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره.


الصفحة التالية
Icon