وأما قوله :﴿وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ فالمراد من المسلم إما المنقاد أو المؤمن، فثبت أن هذا الكتاب على وجازته يحوي كل ما لا بد منه في الدين والدنيا، فإن قيل النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولاً حقاً يدل على الاكتفاء بالتقليد جوابه : معاذ الله أن يكون هناك تقليد وذلك لأن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجز، والمعجز يدل على وجود الصانع وعلى صفاته ويدل على صدق المدعي فلما كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة لا جرم لم يذكر في الكتاب دليلاً آخر.
أما قوله :﴿يا أيها الملأ أَفْتُونِى فِى أَمْرِي﴾ فالفتوى هي الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن أي أجيبوني في الأمر الفتى، وقصدت بالانقطاع إليهم واستطلاع رأيهم تطييب قلوبهم ﴿مَا كُنتُ قاطعة أَمْراً﴾ أي لا أبت أمراً إلا بمحضركم.
أما قوله :﴿قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ﴾ فالمراد قوة الأجسام وقوة الآلات ( والعدد ) والمراد بالبأس النجدة ( والثبات ) في الحرب، وحاصل الجواب أن القوم ذكروا أمرين : أحدهما : إظهار القوة الذاتية والعرضية ليظهر أنها إن أرادتهم للدفع والحرب وجدتهم بحيث تريد، والآخر قولهم :﴿والأمر إِلَيْكِ فانظرى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ وفي ذلك إظهار الطاعة لها إن أرادت السلم، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٢٤ صـ ١٦٦ ـ ١٦٧﴾


الصفحة التالية
Icon