وقال الآلوسى :
﴿ قَالَ ﴾ استئناف بياني كأنه قيل : فماذا فعل سليمان عليه السلام عند قوله ذلك؟ فقيل قال :﴿ سَنَنظُرُ ﴾ أي فيما ذكرته من النظر بمعنى التأمل والتفكر، والسين للتأكيد أي سنتعرف بالتجربة البتة ﴿ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين ﴾ جملة معلق عنها الفعل للاستفهام.
وكان مقتضى الظاهر أم كذبت وإيثار ما عليه النظم الكريم للإيذان بأن كذبه في هذه المادة يستلزم انتظامه في سلك الموسومين بالكذب الراسخين فيه فإن مساق هذه الأقاويل الملفقة مع ترتيب أنيق يستميل قلوب السامعين نحو قبولها من غير أن يكون لها مصداق أصلاً لا سيما بين يدي نبي عظيم تخشى سطوته لا يكاد يصدر إلا عمن رسخت قدمه في الكذب والإفك وصار سجية له حتى لا يملك نفسه عنه في أي موطن كان، وزعم بعضهم أن ذاك لمراعاة الفاصلة وليس بشيء أصلاً، وفي الآية على ما في الإكليل قبول الوالي عذر رعيته ودرء العقوبة عنهم وامتحان صدقهم فيما اعتذروا به
﴿ اذهب بّكِتَابِى هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ﴾ استئناف مبين لكيفية النظر الذي وعده عليه السلام بعدما كتب كتابه في ذلك المجلس أو بعده.
فهذا إشارة إلى الحاضر وتخصيصه عليه السلام إياه بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من أمناء الجن الأقوياء على التصرف والتعرف لما عاين فيه من مخايل العلم والحكمة ولئلا يبقى له عذر أصلاً، وفي الآية دليل على جواز إرسال الكتب إلى المشركين من الإمام لإبلاغ الدعوة والدعاء إلى الإسلام.
وقد كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى.
وقيصر.
وغيرهما من ملوك العرب، وقرىء في السبعة ﴿ فَأَلْقِهْ ﴾ بكسر الهاء وياء بعدها وباختلاس الكسرة وبسكون الهاء، وقرأ مسلم بن جندب بضم الهاء وواو بعدها ﴿ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي تنح.
وحمل على ذلك لأن التولي بالكلية ينافي قوله :﴿ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ إلا أن يحمل على القلب كما زعم ابن زيد.
وأبو علي وهو غير مناسب.


الصفحة التالية
Icon