ولما كان من فعل الدابة التمييز بين المؤمن والكافر بما لا يستطيعون دفعه، تلاه بتمييز كل فريق منهما عن صاحبه يجمعهم يوم القيامة في ناحية، وسوقهم من غير اختلاط بالفريق الآخر، فقال عاطفاً على العامل في " وإذا وقع القول " :﴿ويوم نحشر﴾ أي نجمع - بما لنا من العظمة - على وجه الإكراه ؛ قال أبو حيان : الحشر : الجمع على عنف ﴿من كل أمة فوجاً﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ممن يكذب﴾ أي يوقع التكذيب للهداة على الاستمرار، مستهيناً ﴿بآياتنا﴾ أي المرئية بعدم الاعتبار بها، والمسموعة بردها والطعن فيه على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ؛ وأشار إلى كثرتهم بقوله متسبباً عن العامل في الظرف من نحو : يكونون في ذل عظيم :﴿فهم يوزعون﴾ أي يكف بأدنى إشارة منه أولهم على - آخرهم، وأطرافهم على أوساطهم، ليتلاحقوا، ولا يشذ منهم أحد، ولا يزالون كذلك ﴿حتى إذا جاءوا﴾ أي المكان الذي أراده الله لتبكيتهم ﴿قال﴾ لهم ملك الملوك غير مظهر لهم الجزم بما يعلمه من أحوالهم، في عنادهم وضلالهم، بل سائلاً لهم إظهاراً للعدل بإلزامهم بما يقرون به من أنفسهم، وفيه إنكار وتوبيخ وتبكيت وتقريع :﴿أكذبتم﴾ أي أيها الجاهلون ﴿بآياتي﴾ على ما لها من العظم في أنفسها، وبإتيانها إليكم على أيدي أشرف عبادي ﴿و﴾ الحال أنكم ﴿لم تحيطوا بها علماً﴾ أي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى الإحاطة بها في معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تستحقه ويليق بها بدليل لا مرية فيه ﴿أمّاذا كنتم﴾ أي في تلك الأزمان بما هو لكم كالجبلات ﴿تعملون﴾ فيها هل صدقتم بها أو كذبتم بعد الإحاطة بعلمها؟ أخبروني عن ذلك كله! ما دهاكم حيث لم تشتغلوا بهذا العمل المهم؟ فإن هذا - وعزتي - مقام العدل والتحرير، ولا يترك فيه قطمير ولا نقير، ولا ظلم فيه على أحد في جليل ولا حقير، ولا قليل ولا كثير، والسؤال على هذا الوجه منبه على الاضطرار إلى التصديق أو الاعتراف بالإبطال، لأنهم إن قالوا :


الصفحة التالية
Icon