ولما كان هذا حالاً موجباً للسؤال عنه، كان كأنه قيل : فما قال لهما؟ قيل :﴿قال﴾ أي موسى عليه الصلاة والسلام رحمة لهما :﴿ما خطبكما﴾ أي خبركما ومخطوبكما أي مطلوبكما، وهوكالتعبير بالشأن عن المشؤون الذي يستحق أن يقع فيه التخاطب لعظمه، في ذيادكما لأغنامكما عن السقي ؛ قال أبو حيان : والسؤال بالخطب إنما يكون في مصاب أو مضطهد.
ولما كان من المعلوم أن سؤاله عن العلة ﴿قالتا﴾ أي اعتذاراً عن حالهما ذلك ؛ وتلويحاً باحتياجهما إلى المساعدة :﴿لا﴾ أي خبرنا أنا لا ﴿نسقي﴾ أي مواشينا، وحذفه للعلم به ﴿حتى يصدر﴾ أي ينصرف ويرجع ﴿الرعاء﴾ أي عن الماء لئلا يخالطهم - هذا على قراءة أبي عمرو وابن عامر بفتح الياء وضم الدال ثلاثياً، والمعنى على قراءة الباقين بالضم والكسر : يوجدوا الرد والصرف.
ولما كان التقدير : لأنا من النساء، وكان المقام يقتضي لصغر سنهما أن لهما أباً، وأن لا إخوة لهما وإلا لكفوهما ذلك، عطفتا على هذا المقدر قولهما :﴿وأبونا شيخ كبير﴾ أي لا يستطيع لكبره أن يسقي، فاضطررنا إلى ما ترى، وهذا اعتذار أيضاً عن كون أبيهما أرسلهما لذلك لأنه ليس بمحظور، فلا يأباه الدين، والناس مختلفون في ذلك بحسب المروءة، وعاداتهم فيها متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم والحضر، لا سيما إذا دعت إلى ذلك ضرورة ﴿فسقى﴾ أي موسى عليه الصلاة والسلام ﴿لهما﴾ لما علم ضرورتهما، انتهازاً لفرصة الأجر وكرم الخلق في مساعدة الضعيف، مع ما به من النصب والجوع ﴿ثم تولى﴾ أي انصرف موسى عليه الصلاة والسلام جاعلاً ظهره يلي ما كان يليه وجهه ﴿إلى الظل﴾ أي ليقيل تحته ويستريح، مقبلاً على الخالق بعد ما قضى من نصيحة الخلائق، وعرفه لوقوع العلم بأن بقعة لا تكاد تخلو من شيء له ظل ولا سيما أماكن المياه ﴿فقال﴾ لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص ﴿رب ﴾.


الصفحة التالية
Icon