ولما كان من المعلوم أن التقدير : فلما التزم موسى عليه السلام زوجه ابنته كما شرط، واستمر عنده حتى قضى ما عليه، بنى عليه قوله :﴿فلما قضى﴾ أي وفى وأتم، ونهى وأنفذ ﴿موسى﴾ صاحبه ﴿الأجل﴾ أي الأوفى وهو العشر، بأن وفى جميع ما شرط عليه من العمل، فإنه ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما، وتزوج من المرأتين صغراهما، وهي التي جاءت فقالت : يا أبت استأجره روى الطبراني في الأوسط معناه عن أبي ذر ـ رضى الله عنه ـ مرفوعاً، والظاهر أنه مكث عنده بعد الأجل أيضاً مدة، لأنه عطف بالواو قوله :﴿وسار﴾ ولم يجعله جواباً للما ﴿بأهله﴾ أي امرأة راجعاً إلى أقاربه بمصر ﴿آنس﴾ أي أبصر ﴿من جانب الطور ناراً﴾ آنسته رؤيتها وشرحته إنارتها، وكان مضروراً إلى الدلالة على الطريق والاصطلاء بالنار.
ولما كان كأنه قيل : ماذا فعل عندما أبصرها قيل :﴿قال لأهله﴾ ولما كان النساء أعظم ما ينبغي ستره، أطلق عليها ضمير الذكور فقال :﴿امكثوا﴾ وإن كان معه بنين له فهو على التغليب، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً، لاستبعاد أن يكون في ذلك المكان القفر وفي ذلك الوقت الشديد البرد نار :﴿إني آنست ناراً﴾ فكأنه قيل : فماذا تعمل بها؟ فقال معبراً بالترجي لأنه أليق بالتواضع الذي هو مقصود السورة، وهو الحقيقة في إدراك الآدميين في مثل هذا، ولذا عبر بالجذوة التي مدار مادتها الثبات :﴿لعلي آتيكم منها﴾ أي من عندها ﴿بخبر﴾ ينفعنا في الدلالة على المقصد ﴿أو جذوة﴾ أي عود غليظ ﴿من النار﴾ أي متمكنة منه هذه الحقيقة أو التي تقدم ذكرها ؛ ثم استأنف قوله ﴿لعلكم تصطلون﴾ أي لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتنعطفوا عليها لتدفؤوا، وهذا دليل على أن الوقت كان شتاء ﴿فلما أتاها﴾ أي النار.